محمد بن جرير الطبري

50

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

صاحبه ، ما لم يكن له مالكا ، فيكون لتخييره صاحبه فيما يملك عليه وجه مفهوم ، ولا فيهما من يجهل أنه بالخيار في تمليك صاحبه ما هو له غير مالك بعوض يعتاضه منه ، فيقال له : أنت بالخيار فيما تريد أن تحدثه من بيع أو شراء . أو يكون إن بطل هذا المعنى تخيير كل واحد منهما صاحبه مع عقد البيع ، ومعنى التخيير في تلك الحال ، نظير معنى التخيير قبلها ، لأنها حالة لم يزل فيها عن أحدهما ما كان مالكه قبل ذلك إلى صاحبه ، فيكون للتخيير وجه مفهوم . أو يكون ذلك بعد عقد البيع ، إذا فسد هذان المعنيان . وإذا كان ذلك كذلك صح أن المعنى الآخر من قول رسول الله ( ص ) ، أعني قوله : ما لم يتفرقا إنما هو التفرق بعد عقد البيع ، كما كان التخيير بعده ، وإذا صح ذلك ، فسد قول من زعم أن معنى ذلك : إنما هو التفرق بالقول الذي به يكون البيع . وإذا فسد ذلك صح ما قلنا من أن التخيير والافتراق إنما هما معنيان بهما يكون تمام البيع بعد عقده ، وصح تأويل من قال : معنى قوله : * ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) * إلا أن يكون أكلكم الأموال التي يأكلها بعضكم لبعض عن ملك منكم عمن ملكتموها عليه بتجارة تبايعتموها بينكم ، وافترقتم عنها ، عن تراض منكم بعد عقد بينكم بأبدانكم ، أو يخير بعضكم بعضا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) * . يعني بقوله جل ثناؤه : * ( ولا تقتلوا أنفسكم ) * ولا يقتل بعضكم بعضا ، وأنتم أهل ملة واحدة ، ودعوة واحدة ودين واحد فجعل جل ثناؤه أهل الاسلام كلهم بعضهم من بعض ، وجعل القاتل منهم قتيلا في قتله إياه منهم بمنزلة قتله نفسه ، إذ كان القاتل والمقتول أهل يد واحدة على من خالف ملتهما . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : * ( ولا تقتلوا أنفسكم ) * يقول : أهل ملتكم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح : * ( ولا تقتلوا أنفسكم ) * قال : قتل بعضكم بعضا . وأما قوله جل ثناؤه : * ( إن الله كان بكم رحيما ) * فإنه يعني أن الله تبارك وتعالى لم يزل رحيما بخلقه ، ومن رحمته بكم كف بعضكم عن قتل بعض أيها المؤمنون ، بتحريم دماء